السيد كمال الحيدري
257
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
السببية . أما الاتجاه التجريبي فقد رفض فكرة وجود قضايا قبلية ولم يؤمن بالمبادئ العقلية للسببية التي آمن بها التفسير الأرسطي للاستقراء ، ولهذا استقطبت المشكلة الأولى والثالثة اهتمامه ولم تحظ المشكلة الثانية منه إلا باهتمام جانبيّ ، لأنّ المذهب التجريبي يدرك خطورة المشكلة الأولى والثالثة بالنسبة إليه ، إذ لا يمكنه أن يعالجها عن طريق المبادئ العقلية للسببية التي افترضها المنطق الأرسطي ما دام لا يقرّ بوجود معرفة عقلية قبلية . من هنا اختلف الاتجاه التجريبي عن الاتجاه العقلي في تفسير التعميمات الاستقرائية وتبريرها ، فبينما كان المذهب العقلي يؤمن بأنها قضايا عقلية قبلية يرفض المذهب التجريبي طابعها العقلي القبلي ويؤكّد أن الخبرة الحسّية هي الأساس الوحيد للمعرفة البشرية كلها ، ومن أجل ذلك آمن سيتورت مل بأنّ قضايا السببية نفسها نتاج استقراءات أوسع وأشمل في عالم الطبيعة . وهذا يعني أننا حصلنا على العلم بقضايا السببية نتيجة استقراء لكلّ ما حولنا من ظواهر الطبيعة ، ومنذ اكتشفنا قضايا السببية أصبحت بدورها أساساً لكلّ تعميم استقرائيّ لاحق . مفهوم السببيَّة بين العقل والتجربة لم يختلف الاتجاه التجريبي عن المذهب العقلي في المصدر الذي يستمدّ منه إدراكنا لقضايا السببية فقط ، بل اختلف معه أيضاً في معنى السببية وما يعنيه مبدأ السببية العامّ القائل : إن لكلّ حادثة سبباً في الطبيعة ، فإن للسببية مفهومين ، المفهوم العقلي والمفهوم التجريبي .